عبد الوهاب الشعراني
180
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
بل يجلس جاثيا على ركبتيه متأدبا خاضعا ولا يلتفت يمينا ولا شمالا وكان الملك الظاهر جقمق سيئ الاعتقاد في طائفة الفقراء وكان يكره سيدي محمدا ومع ذلك كان يرسل له في الشفاعات فيقضيها ويقول لمن حوله كلما أقول إني لا أقبل لهذا الرجل شفاعة لا أستطع بل أقبل شفاعته وأتعجب في نفسي من ذلك ونزل غليه الملك المؤيد فجاء إلى الزاوية فوجد الشيخ فوق سطح البيت فطلع إليه سيدي أبو العباس وأخبره فقال قل له قال إنه ما يجتمع بأحد في هذا الوقت فوضع السلطان يده على رأسه ورجع إلى القلعة ولم يتغير من الشيخ إجلالا له رضي اللّه عنه . وأرسل إليه الأمير بيسق بشكارة فضة فوجده على الكرسي فصار يقبض منها ويرمى للناس حتى أفناها كلها بحضرة القاصد كأنه يريه أن الفقراء في غنية عن ذلك وأنهم لو أحبوا الدنيا ما كان لهم هذا المقام بين الناس ثم إن الأمر بلغه ما وقع فجاء إلى الشيخ فقبل يديه فقال له الشيخ قم إلى هذا البئر فاملأ منه هذه الفسقية للوضوء فيصير ثواب ذلك في صحيفتك إلى يوم القيامة فخلع الأمير ثيابه وملأ دلوا فوجده ثقيلا فعالجه حتى طلع به فوجده ذهبا فقال ذلك للشيخ فقال صبه في البئر واملأ فملأه كذلك ثانيا وثالثا فقال قل للبئر ما لنا حاجة إلا بالماء فاستحقر الأمير ما كان أرسله للشيخ وطلب الفقراء بالوعة للميضأة فغرز الشيخ عكازه وقال هذه بالوعة فهي إلى الآن ينزل فيها ماء الوضوء ولا يعرفون إلى أين يذهب . وكان أمير كبير يسمى بططر عند الملك المؤيد كلما يجيء يزور الشيخ يقوم بخلع ثيابه ويملأ الفسقية للناس بنفسه ويعود ويلبس ثيابه وتخفيفته ولما تسلطن بعد الملك أحمد بن المؤيد كان ينزل إلى زيارة الشيخ كل يوم أو ثلاثة لا يستطيع أن يتخلف عنه فيقول : له الشيخ إنك صرت سلطانا فالزم القلعة فيقول : لا أستطيع وكان يقول للشيخ لا تقطع شفاعتك عنا ولو كان كل يوم ألف شفاعة قبلناها ، ولما عزل شيخ الإسلام ابن حجر أرسل الشيخ جاريته بركة إلى السلطان ططر وقال لها قولي له رد الشيخ شهاب الدين إلى ولايته فطلعت إليه بركة وقالت له ذلك فكتب لها من الحال مرسوما بولاية شيخ الإسلام ابن حجر وأرسل له خلعه فكان ابن حجر رحمه اللّه لا ينسى ذلك للشيخ وطلع الشيخ رضي اللّه عنه مرة للسلطان ططر يعوده من مرض فتسامع الناس أن الشيخ رضي اللّه عنه طلع للسلطان فترادف عليه أصحاب الحوائج فأمر السلطان أن لا يرد ذلك اليوم قضية وسال الشيخ أن يعلم الناس على قضاياهم فعلم على خمسة وثلاثين